القرطبي
36
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مالك مرة ، والشافعي في أحد قوليه ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور . وقيل : هو بلوغ ، إلا أنه يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت في الذراري ، قاله الشافعي في القول الآخر ، لحديث عطية القرظي . ولا اعتبار بالخضرة والزغب ، وإنما يترتب الحكم على الشعر . وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب : لو جرت عليه المواسي لحددته . قال أصبغ : قال لي ابن القاسم وأحب إلي ألا يقام عليه الحد إلا باجتماع الانبات والبلوغ . وقال أبو حنيفة : لا يثبت ( 1 ) بالانبات حكم ، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ . وقال الزهري وعطاء : لا حد على من لم يحتلم ، وهو قول الشافعي ، ومال إليه مالك مرة ، وقال به بعض أصحابه . وظاهره عدم اعتبار الانبات والسن . قال ابن العربي : ( إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلا في السن فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى ، والسن التي أجازها ( 2 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من سن لم يعتبرها ، ولا قام في الشرع دليل عليها ، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الانبات في بني قريظة ، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صلى الله عليه وسلم فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم لفظا ، ولا جعل الله له في الشريعة نظرا ) . قلت : هذا قوله هنا ، وقال في سورة الأنفال عكسه ، إذ لم يعرج على حديث ابن عمر هناك ، وتأوله كما تأوله علماؤنا ، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة ، ومن لا يطيقه فلا يسهم له فيجعل في العيال . وهو الذي فهمه عمر ابن عبد العزيز من الحديث . والله أعلم . الرابعة - قوله تعالى : ( فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) أي أبصرتم ورأيتم ، ومنه قوله تعالى : ( آنس من جانب الطور نارا ( 3 ) ) أي أبصر ورأى . قال الأزهري : تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا ، معناه تبصر . قال النابغة : * . . . على مستأنس وحد ( 4 ) *
--> ( 1 ) في ط وج وب وز : لا يتعلق . ( 2 ) في ط : اختارها . ( 3 ) راجع ج 13 ص 280 ( 4 ) تمام البيت : كأن رحلي وقد زال النهار بنا * يوم الجليل على مستأنس وحد الوحد : المنفرد .